الحظائر الإلكترونية

الحظائر الإلكترونية 

أحببت منذ زمن ليس بالقريب أن أتحدث عن المنتديات العربية الإلكترونية. لكن 
كلما أعددت النسخة الأولى لموضعي, تفاجئني تلك المنتديات بظواهر خارجة 
عن نطاق العقل "الإنساني", تسارُع هائل على مستوى كارثة المنطق, فأضطر 
لإعادة ترتيب أفكاري من جديد.. وهكذا. أتكلم الأن وأنا أعي جيداً طبيعة 
المنتديات العربية, وأكاد أن أتنبئ بجديدها من دون أدني عناء. والتي على كل 
لا أعتقد أنها تخفي عل المتابع المتعقل. فمنذ ما يزيد عن الخمس السنوات وأنا 
أزاول المرور بين منتدى وآخر لأكتشف الجديد على صعيد التخبط بأشكاله, 
وأعاصر كميات المآسي الفكرية التي يعيشها أغلب أعضاء المنتديات العربية 
بأشكالها وتنوعها .. 


ماهي تلك المنتديات : 
قد يتصور لعقل الجاهل عن أمر تلك المنتديات أنها منبر يجمع الكثير من 
الأعضاء المختصصين بدراسة ظاهرة ما أو مناقشة أمر ما .. لكنه سيصدم 
بقوة منذ النقرة الأولى لينهي صدمته بالنقرة الثانية والأخيرة . حينما أرى منتدى 
جديد أكأد أن أتخيل كم من السخف "سيُثقل" كاهله في فترة وجيزة. وحينما أرى 
منتدى "ناجح" فأستطيع أن أتصور كم هو قصير ذلك الوقت الذي تحول فيه من 
منتدى "ناجح" إلى منتدى "ناجح" .. ربما النجاح هنا ليس ذلك الذي أعرفه 
حينما كنت طالباً في مرحلة "الإبتدائية". 
في حقيقة الأمر, المنتديات العربية هي حظائر توزعت في الفضاء الإفتراضي
أحتوت الكثير من ممارسي العلف والمضغ, و الجري في حدود زرائبهم
المحاطة. كلمة "منتدى" تفيد في لغويتها شيء يُعقد لمدة قصيرة مخلفاً شيء
وراءه قرارات, توصيات أو شجب وإستنكار على الطريقة الرسمية , وهذا
ربما يفسر سبب قُصر إقامتي في كل المنتديات المنتهية عادةً بالطرد ..المتابع
الجيد لها سيدرك أن هذه المنتديات أخذت من كلمة "منتدى" شِق الإنعقاد
لأمر كان هو الهاجس الأكبر لك أعضاء هذا المنتدى أو ذاك . وهو "الإنعقاد "
أي الفعل من آجل الفعل . أما السبب المنعقد من أجله, فببساطة لا يوجد ..تذكرني
كثيراً بالقمة العربية, كثيرة هي دوراتها وكثيرة هي مشاكلنا. بل أصبح هناك
ضرور لعقد قمة تساعد على حل مشكلة هذا القمة. دائرة مفرغة, هذا هو 
بالضبط حال هذه المنتديات .. عفواً "الحظائر". 


النفسية العربية : 
حتى تتضح الصورة, فكر في المنتديات العربية كدول الوطن العربي الكبير. 
ثم أدخل إلى أي منتدى عربي وستجد بالضرور هناك "حاكم" وشعب 
متبوع يصفقون ويسبحون بأسماءه العليا وصفاته الحسنى , ستجد مرتزقة هم 
الأقرب لهذا الحاكم الإلكتروني وستجد معارضون هم في أقصى الشمال يُنكل 
بعضوياتهم وأطروحاتهم ويتذوقون مرارت الأحكام التسلطية. ستجد هناك نقص 
كبير في شخص "المدير" الذي يحاول أن يغطيه بكثرة القواعد والأنظمة بالضبط 
كالحالكم العربي , الذي يحاول أن يثبت لشعبه أو "أعضاءه" أنه "سيف الله المسلول". 
المدير يلُون عضويته بالحمرة كالحاكم الذي يذيع أخباره على رأس كل ساعه, مشرفوه 
الماسيون لمققصاتهم وقع عظيم على أحرف الأعضاء , كوزراء الداخلية الذين يفرقون 
حشود المتظاهرين في الشوارع بالكرباج. الأعضاء "المرتزقه" لهم أولوية ربما في تمييز 
مواضيعهم التافهة , بالضبط كفيلق الصحافة المادحة للسلطان ليل نهار. تقارب عجيب 
بين النمطين العربيين الواقعي والإفتراضي , الذي يثبت لنا بأن المشكلة ليست في 
ظرف الزمان أو المكان , بل في ضمير مستتر تقديره "عربي" . لذا فهذه المنتديات 
عكست صورة المجتمع العربي بشكل سافر. وشرّحت لنا سوءاتنا المجتمعاتية بشكل 
تقني جميل. 


المحتوى المثقل بالخِفه : 
تعتمد المنتديات العربية في تأسيسها ورواجها على لصوص فكريون يتسللون حضائر 
عقول غيرهم ويهربون بعد إغتصابهم لبنات أفكار غيرهم, فنرى ذلك العضو الذي لا 
يكاد فك رموز المصطلحات يتكلم في "النقد الإجتماعي" و "الفلسفة التكوينية 
للمجتمعات" وضرورة معالجة الظواهر التي تفتك بأمن المجتمع "الفكري". تشكل 
المدونات حقل معلوماتي مجاني تسيل له لعاب هؤلاء اللصوص, فمنذ تاسيس مدونتي 
مثلاً وما زالت مقالاتي تُسرق في وضح النهار ويُنسب حبرها إلى أقلام تجمدت الحياة 
فيها. لم أكن أعرف أن مقالاتي صالحة لشيء حتى ولو كانت السرقة, وهذا هو أسوء 
أنواع السرقة على كل ٍ. العجيب , ما أن تناقش هذا اللص في المحاور التي طرحها 
"موضوعه المسروق" لتصدم أنه حتى لا يفهم ما الذي سرقه. و على كل أنا دائماً أقول 
بأن السارق دائماً مطالب بأن يأتي من عنده بشيء أجمل من الذي سرقه لنتأكد بأنه 
شريف, فلا يُعقل إطلاقاً أن يكون هناك فرق بين الموضوع وبين ردوده الركيكة فكرياً. 
إن قدر الله عليك بمصيبة البحث عن برنامج أو أي شيء آخر في المنتديات العربية, 
فأسأل الله لك الثبات والتمكين ورباطة الجأش وأن ينزل عليك رحماته حتى تحصل على 
ما تُريده من أن دون أن تضطر لرمي القواعد الإخلاقية عرض الحائط لتقذف وتسب 
وتشتم القائمين على هذه الدكاكين البخسة المروجة للبضائع العفنة . 


تطابق مختلف : 
المنتديات العربية بتنوعها الهائل, لم تكن مختلفة كثيراً كما يبدو - هكذا أراها -, فالجيدة 
منها تكمل مسيرة الرديئة, والعكس, بطريقة يضمن لكلا الطرفين الإستمرارية في نهجه. 
فحين يكون ذلك المنتدى مغمور, فالمغمور فيه ليس الإنتاجية أو الطاقات المشعة بالإبداع 
بل المغمور هو "مكان مرمى القمامة" لدى المتخمون بهذه القمائم العربية الإلكترونية 
كمواضيع النقل و ثقافة تقديس "كم" الردود لا كيفها و تحويل المنتدى إلى طاولة قمار 
يتقاذفون فيه الأعضاء نرد التفاهه والفائز يحصل على حصة الجميع من السطحية. أما 
حين يكون هذا المنتدى العربي مشهوراَ, فهذا يعني بأن نفس مرمى القمامة فيه أرحب 
بتقبل المزيد من النفايات الفكرية لعالمنا الإفتراضي المخجل . 
أن تطرد من منتدى يدّعي التعددية لمجرد "غرابة" أفكارك, هو بالضبط كأن يُسخر من 
صورك الشعرية في منتدى يعتقد بأنه يخدم الأدب. كلاهما بتنوع أحجامهما تمثل شرخاً في 
المفهوم والإدراك لدى ممارسي هواية "إنشاء المنتديات" الجاهلون بأبجديات إستيعاب 
فلسفلة "المنتدى". ففي ذلك الشارع من حياتنا المهدم المليئ بحفرياتنا العربية, تكاثرت 
فيه المجالس البلدية. و في حي حياتنا الفقير , تم إنشاء الكثير من المخابز وكشكات بائعي 
الحُلويات ودكاكين الخياطة. هذا بالضبط ما يحدث مع منشيء تلك السراديب التي تتطاير 
سرب غربانها بمجرد وصول مؤشر فارتك المحلقة في سمائها . 

دهاليز المنتديات : نرى أن الهاجس الأكبر لحكّام المنتديات هو "زيادة أعضاء المنتدى" على حساب 
زيادة الوعي أو رفع درجة الإدراك للعقلية العربية. جيشوا لهذا الغرض أعداد هائلة 
من القرارات والشروط والأحكام فمن "لا يمكنك رؤية الرابط المتاح" إلى "عضويتك 
لا تتمتع بصلاحيات كافية" إلى "تم منع خاصية التوقيع" إنتهائاً بـ "تم حذف عضويتك 
نهائياً".. تبوءت مناصب "الإشراف" في أكثر من منتدى - وبلا فخر إطلاقاً - كان 
للنخبة والمشرفون ركن خاص فيهم لمنقاشة أمور "الحكم" .. لم اٌدهش من إزداوجية 
معايير مدير ذلك المنتدى, حيث رسمت في عقلي صورة تخيّلية عن "الحاكم" الحقيقي 
وعما يفعلوه في جلساتهم وزواياهم الخاصة. و ربطت بين تردّي الأوضاع على الصعيدين 
الواقعي والإفتراضي و وصلت إلى نتيجة أن مشكلة الثعبان دائماً تمكن في رأسه . فكل 
منتدى هو و بلا شك يعكس صورة المدير نفسه , كما بالضبط كالبلد ومستوى تفكير 
المواطنون الذي يعكس صورة الحاكم نفسه . 


عفو عام : 
وجودك كبضاعة مرصوصة في رف أي منتدى عربي - أياً كان - يعزز وجود هذا الدكان, 
و وجود هذا الدكان يعني بالضرورة بقاء حالة الكساد الفكري الإلكتروني وإستمرارية 
السوق السوداء التي تتلاعب بأسعار المواثيق والمفاهيم والموازين العقلية المنطقية 
للإنسان. وهو سبب من عدة أسباب كانت هي وراء إحتكارنا لخانات الصفر في عدّاد 
الأمم الحضاري. فأعتقوا عقولكم من سجن "عربنة المفاهيم" و سيروا في مناكب الحياة 
وعيشوا بشراً - ولو لمرة واحدة - على الصعيدين الواقعي أو الإفتراضي .
الأربعاء 22 ديسمبر 2010 


الرجوع لـ دعني أقول

8 comments:

la7dh7zn الخميس, ديسمبر 23, 2010 9:15:00 م  

آهلآ بعودتكـ مجددآ ..

ـآبدآعـ جديد يحسبـ ضمنـ ـآبدآعآتكـ

هنآكـ كيميآء تجمعنآ دومآ .. بكلآمكـ عنـ موآضيعـ تشغلنيـ

فعلآ ـآبدآعكـ وآضحـ فيـ ـآسقآطآتكـ ـآلآكثر منـ وآقعيهـ

ـآشكركـ جزيلـ ـآلشكر على مآ كتبتهـ .. ـآستمر .. فآنيـ متآبعـ لجديدكـ

Yasser الجمعة, ديسمبر 24, 2010 4:05:00 ص  

أهلاً عزيزي لحظة ..

هو ليس بإبداع ..
بقدر ماهي حالة عربية تجعلك أن تبدع وبكل سهولة

يسرني أن يكون بيننا أكثر من شيء مشترك عزيزي
ونحن نعول عليكم كثيراً, أن تزرعوا الفكر في عقول النشء الجديد لتحرروهم من عنفوان الباطل

يسرني دوماً توهجك حرفي هنا

بك مرحباً دوما عزيزي .. ^_^

غير معرف الاثنين, ديسمبر 27, 2010 9:21:00 ص  

^_^
جميل ما كتب هنا مع إني قد أخالفك في بعض ما كتبت.
لكن صدقني هناك كثير من المنتديات لم تنشأ لزيادة الأعضاء بل هدف صاحبها حتى تعم الفائدة على من يحتاجها, ووضعت بعض القوانين فما الهدف منهاإلا لضبط الأعضاء.
وإن لم تجد منتدى يتقبل قلمك فصدقني أنه يرحب بأي قلم و أي فكر لكن لا يقبل أن يكون هذا القلم سبب في تطاول الأعضاء على بعض.
قد تجد من لا يتقبل فكرك ومع النقاش يتم التطاول على بعض وهنا تكمن المشكلة.
إن وجدت حظائر بكميات كبيرة فصدقني هناك الكثير من المنتديات ..

إحترامي لك و لقلمك
أختك

Yasser الاثنين, ديسمبر 27, 2010 7:32:00 م  

^_^ .. أهلاً بكِ و بإختلافك

أتمنى فعلاً أني أملك ولو نصف تفائلك ..

حديثي عن تجربتي لا يعني بالضرورة أني قد أصبت ..
فقد يأتي شخص آخر و يكتب لنا تجربته برؤية أخرى, رؤية أكثر تفاؤلاً من أسطري هذه
لكن في النهاية وكما يقال "العبرة في النتيجة" ..
فمهما إختلفت رؤى كاتبي التجارب حول المنتديات إلا أنه تظل "نتيجة" المنتديات العربية معروفة للمسجل والغير مسجل ..
فإن لم تكن صفراً ( 0 ) فهي بالتأكيد سالب واحد ( 1- ) .. ولا تعميم بالطبع
... فمن غير المعقول أن يوازي كثرة القوانين كثرة في الهمجية .. على سبيل المثال
أو أن يكون مدير المنتدى نفسه غير مؤهل لقيادة حوار مثلاً ..
أو أن تحول طاولة المنتدى مثلاً إلى جلسة بلوت بحجة "الترفيه"
ولا حاجة للحديث عن التفاصيل الدقيقة فسيطول الحديث.. ^_^

على كل .. أنا حينما أسقطت المعيار السياسي على المعيار الإجتماعي .. أو العكس
أردث بذلك تشريح الجثة السيوإجتماعية العربية بمشرط لغوي غير حاد ربما .. ^_^
وليس بالطبع أمر المنتديات الذي يعنيني .. بقدر ما يعنيني أن يكون فضائنا العربي الإلكتروني أكثر نقائاً

تستطيعين أختي العزيزة إدراج روابط لمنتديات ترين أنها تستحق التوقف عندها
وسأكون ممتن لكِ كثيراً ..

أسعدني كثيراً توقفكِ في محطة مدونتي .. وإقتصاصك جزء من وقتك لإتحافي بتنوع آراك

نحية بوسع الكون .. ^___^

غير معرف الأربعاء, ديسمبر 29, 2010 10:36:00 ص  

الحظائر الإلكترونية:
http://www.rooohy.com/
http://www.haamsat.net/vb/
http://www.al-7up.com/vb/
http://www.love-m.com/vb/

المنتديات الإلكترونية:
http://www.arabteam2000-forum.com/
http://www.bramjnet.com/vb3/
http://forum.hawaaworld.com/index.php
http://alfrasha.maktoob.com/f17/
والمنتديات الجامعية cksu - ckku
.... etc



أعلم أن تصنيفي قد يخرج قليلا عن لب موضوعك هذا, لكن لا يصح أن نطلق كلمة (حظائر) لمجرد وجود عده قوانين أو لعدم تقبلها لبعض الأقلام, فلكل منتدى ظروفه ولكل منتدى توجُُّه يمشي عليه .

جزيل شكري لرحابه صدرك

بالتوفيق إن شاء الله

Yasser الأربعاء, ديسمبر 29, 2010 5:06:00 م  

أهلاً بكِ .. ^_^

حقيقةً لا أخفيكِ .. لو لم تعنوني القائمتين لما أدرك الفرق بين تلك المواقع
ولو أكتفينا فقط بنوعية الإعلانات فيها .. لكفتنا ..
عوضاَ عن الداستير المشنوقة في زواياها .. والإستعراض الباذخ المخجل للنفسية العربية

وحتى المنتديات الجامعية .. والمنتديات الفكرية كمنتدى الليبرالين .. والمنتديات المتخصصة
وحتى المدونات أيظاً .. يجري عليها ما يجري على الحظائر ..
أو بالأصح يجري فيها ما يجري في الحظائر..


ما أعرفه أنا , أن كلمة "حظائر" قد تكون ربما أكثر قسوة إن إستخدمتها في غير موضعها
وهي على كل ليست شتيمة بقدر ماهي مقارنة بين حالتين كانتا أقرب لبعض ..
فقد يأتي شخص مثلاً ويسمي مدونتي "مزرعة خاصة" .. ^__^
كوني أنا الحاكم المستبد فيها وأسير أمور إنتاجها من دون الرجوع إلى الشعب "الحروف"... ^__^

لكن كل المشكلة في هذه الحالة المقارناتية هي أن بعض المنتديات أو المواقع العربية إضطرتنا للإعتذار للحظائر ..


وقد تختلف المسميات .. إلا أنه يظل الواقع هو الأبلغ بالطبع ..

شكراً لكِ من الأعماق .. ^___^

غير معرف الخميس, أغسطس 11, 2011 9:39:00 ص  

لم أرا هذا النص إلا متأخر ...
عموما هذا ليس ذنبنا بل ذنب التعليم الذي كان مجرد كلام كتب ينحفظ ويسمع ليلة الإمتحان ...
لم نتلقى في تعليمنا أي شيئ عن زيادة المحتوى العربي المعلوماتي ... "وهذا لايعني أني أدعه شماعة "
ولا تنسى أننا " شعب جته الطفره فجأة ومادرا وش يسوي فيها ""
وتوقعاتي أن هذه المنتديات السامجة سينتهي وقتها قريبا مع حلول الفيسبوك والتويتر ...!!!
دمت بود ...

Yasser الجمعة, أغسطس 12, 2011 5:22:00 م  

تعليمنا يفتقر لأشياء كثيرة أساسية
دائماً نحن نتعامل مع كل شيء كالموضة
نفعل الفعل فقط لذات الفعل , وهذه هي المشكلة
فعلاً بدأ سخفها ينطفي بدخولنا لعصر المواقع الإجتماعية

شكراً لك للمرور ^_^

إرسال تعليق