المعيار السياسي

المعيار السياسي

إن أتينا لنناقش أي مشكلة - أياً كانت - في بلداننا ذات الصبغة القمعية
الإنغلاقية, إن حاولنا قد الإمكان وقدر المستطاع أن نكون أكثر جدية في
أيجاد حلول لتلك المشاكل, إن مارسنا الذكاء التحليلي والمرونة في النقد
وتجنب الخطوط الحمر المخبأءة بين جنبات طريق حياتنا, إن حولنا نقاشنا
العقيم فجأءة إلى حوار ذو أصول علمية مبني على دلائل ودراسات, فلابد
من أن نجد أمامنا ذلك المعيار الضخم ممسكاً بخيوط معادلاتنا وبيانات
إدعاءاتنا وكل الأوراق التي تحوي محاورنا, أنه "المعيار السياسي" حفظه
الله

نرى ذلك الناقد الإجتماعي في تلك القناة أو الصحيفة يحاول تأطير مسألة كـ
"إنعدام الإدراك المجتمعي لثقافة الكتاب" يبدأ مغامرته النقديه بتبين أهمية
الكتاب ويؤكد على شائعات أنه فعلاً خير جليس في الزمان, ثم ينتقل ليربط
التحصيل العلمي لذلك المجتمع ببعده عن الكتاب, ثم يسير نحو تأثير مؤسسة
التعليم ومسئوليتها تجاه هذا الفقر الإدراكي للكتاب, ثم يخوض ليناقش الخطط
القديمة البالية المُتبعة في وزارة التعليم في ذلك المجتمع, ثم يجد نفسه شيئاً
فشيئاً يصعد لدرج من الأسباب المنتهي عند "المعيار السياسي". فيبدأ حينها ذلك
الناقد الهمام بنزول الدرج ليفتش عن معيار آخر يمارس فيه ساديته النقديه
و يحمله المسئولية الكاملة عن وجود تلك المشاكل ومشاكل الزمن القديم و
الحديث ومشاكل ما بعد الصحوة الفكرية وما قبلها ومشاكل أول الزمان وأخره.
سلسلة تهربيّة ليس لشيء فقط ربما لأنه أدرك أنه لا يعشق العنابر وإمساك
قضبان السـجون. فتتـحول حينها كل محاولاته النقديـه في تبـسيط مسـائل
المشكلة وإيجاد حلول لها إلى خرافة نظرية وهبائاً منثوراً ومنطق يلّجه العاقل.

حسناً ما هو هذا "المعيار السياسي" الذي يخيف ذلك الناقد يا ترى؟. ما هو
هذا الهاجس لدى معظم مدّعي الإصلاح في بلدان كبلداننا الذي يدعوه للإبتعاد
قدر الإمكان عن هذا المـعيار ؟. إن أطليـت من شباك حـالنا على شارع تلك
البـلدان التـي تـكرس ثقافة الـحزب الواحد, ولا فيها معناً للحرية إلا حرية
تكميم الشعوب ستدرك حينها وببساطة أن هذا "المعيار السياسي" الأسطورة
ليس إلا الحاكم, الملك, الرئيس, العقيد, الشيخ, الأمير, السلطان, الذي كان هو
الوطن والدولة والحكومة والزمان والمكان والسلطة التنفيذية والتشريعية و
القضائية والقاضي والسجان والمدّعي والشاهد. وهنا كان السر الأعظم
المدفون في صحراءنا عن أسباب بزوغ "العالم الثالث". كيف لا وإن كان هذا
"المعيار" دائماً المسئول عن تدني ليس ثقافة الكتاب فحسب, بل المسئول
الأول عن قيادة دفة بلداننا نحو الجهل مباشرة مع سبق الإصرار والرغبة
الشديدة والشخصية في محاربة كل مظاهر الترغيب في الكتاب والثقافة
والإطلاع. أئتني بحاكم يستطيع ليس تفكيك النظرية الأولى لبناء المجتمعات
بل تهجئها بشكل صحيح, أئتني بحاكم عربي يستطيع أن يجري مقابلة "مباشرة"
ومرتجلة على التلفاز مع إمكانية إتصال الشعب عليه, أئتني بحاكم عربي
قضي عمره بين الكتب بدلاً من التخطيط والتأمرعلى الأمة للسيطرة على
مدخراتها وسلبها, أو كأقل الإيمان أئتني بحاكم عربي يقدر على تحمل أعباء
كتابة مقال في أحد جرائده الكاسيات العاريات يناقش فيه المنافسة المحتدمة بين
جستن بيبر وليدي قاقا.

وما "إنعدام الإدراك المجتمعي لثقافة الكتاب" إلا مثال بسيط على نوعية
المشاكل التي تعاني منها بلداننا. قس على ذلك البيئة السياسية,الفساد
الإداري,البنية التحتية, الأمن المجتمعي الفكري وغيرها.
أخيراً, حتى فقط تقتنع بمدى صحة إدعائي جرب أن تُحمل ذلك "المعيار"
شيء ولو يسير من المسئولية وحاول أن ترفع صوتك أثناء عملية "التحميل"
هذه, وستدرك حينها أن مقالي هذا لا شيء يذكر مقارنة بواقع ذلك "المعيار"
عجل الله "خلعه".. 

الثلاثاء 6 سبتمبر 2011

الرجوع لـ دعني أقول

2 comments:

غير معرف الثلاثاء, سبتمبر 13, 2011 1:33:00 م  

لولا وجود هذا المعيار لما قامت تلك الثورات ...
للأسف بعض القادة هم من دفع شعبهم " للحن الموت "" الجهل ...
وهذا المعيار لم يستحدث بل إنه قديم :: كما قال أبو القاسم الشابي في قصيدته (( لحن الحياة ))
إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة
فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي
ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ
>> يبدو أنك من محبي السياسة ^_^
لاتتأخر علينا في موضيعك الجميلة *_*
تحياتي : NON

Yasser الأربعاء, سبتمبر 14, 2011 11:11:00 ص  

أهلاُ بك
أعتقد كوننا عرب ولا نلقي بالاً للسياسة هي المشكلة الرئيسية
وراء إنعدام المناخ المناسب للإنسان, وهي ما أعطت الحاكم العربي
الذريعة في أن يتمادي في طقوسة الإقصائية

قالها أبو قاسم الشابي, وإبن خلدون, وعبدالرحمن الكواكبي وغيرهم
ننتظر متى يقولها مثقفي هذا الزمان,,

كوني عربي لم يعد لدي ما أناقشة إلا السياسة, لا أعشقها.. لكنا اٌجبرنا عليها :)

بإذن الله القادم أجمل.. شكراُ لمتابعتك الرائعة

إرسال تعليق