التعليم, حرية التعبير, المحاسبة


التعليم, حرية التعبير, المحاسبة

يتردد إلى ذهني دائماً حينما أسترسل في مراقبة الجملة العربية بين باقي جُمل الشعوب
فـي فقرة العـالم مشهـد تاجـر الــهيرون المـسيطر علـى زاوية من ذلك الشـارع و يتردد
إلـى ذهنـي أيـظاً زبائنه المـحمرة والمتأرجحة عيونهم حيث أصبح الهيرون بالنسبة لهم
أكـثر من مـجرد طـقس للهروب من كـل المـشاكل وتحـول إلى متطلب يومي لجسمه يبقيه
خادر العقل وترتعش في عروقه نشوة الوهم. هذا هو المنطلق الفكري لأي طـاغية عربي
يخطط لأن يُعمر طويلاً على الكرسي. الهروين هنا ليس دائماً ملموساً إنما مفاهيم ورؤى
وأفكـارلا تقـل "هلوسة" عن ذلـك الملـموس تمـشي الشـعوب بمفعلوها كـما يمشي على
الآرصفة ذلك المنقطـع الإمـداد "المـزاجي" مفتشاً عن بائع الأحلام ومروج الجنة الدانية
من رصيف لآخر مستحظرا معاه كل هرمون حيواني. لنطلع عن قرب على بضاعة صاحب
الزاوية في ذلك الرصيف ضمن الشارع العربي الكبيرالتعليم :
الجَمل المُصاب بالجدري لديه فرصة كبيرة بألا يصبح وحيداً إذا أستطاع أن ينشر الجدري
بين باقي القطيع, هذا هو المشهد المجازي للحاكم العربي حينما يحول التعليم من فرصة
لإنارة العقول إلى تغليفها ثم إرسالها على متن سفن الجهل لما وراء بحار التغييب. لأنه
متى إنتشر البياض في صفحة سيصبح وجود النقطة السوداء فيها مستهجن لذا تحاول
تلك النقطة السوداء بكل ما أؤتيت من حبر الخبث أن تصبغ ليس الصفحة فحسب بل باقي
صحفات الكتاب كاملاً إن أستطاعت, لذلك ليس غريباً أن التعليم في كل الدول ذات الصبغة
الدكتاتورية سطحي وُضع من آجل إبقاء الطلاب وذوي الطلاب والمقربين من الطلاب و
المقربين من أهالي جيران الطلاب مشغولون في إعداد وجباب الإفطار وحل الواجبات
وإقتناء القرطاسيات والذهاب والمجيئ وفعل الفعل لمجرد الفعل. كيف يستطيع الحاكم
القامع الفاسد أن يحكم شعب متنير يحلل ردات أفعاله يراقب تصرفاته تجاه القضايا التي
تعصف بالبلاد ليل نهار, لذا يسارع بأن يغلق جبهات شرسة على مستقبل بقاءه بجعل
التعليم قرطاس جميل من الخارج - وأحياناً قبيحاً - بينما من الداخل لا يوجد شيء. تخيل
أن يهديك شخصاً هدية فارغة هذا هو حال الطالب العربي حينما يبدأ بفتح ذلك الكتاب
مؤملاً بأن سيجد بداخله شيئاً يجعله أقرب للواقع. فشعب جاهل سهل الإنقياد وراء كل
ديباجة تحيكها الدول ذات الصبغة الدكتاتورية, وهذا ما يعول عليه كثيراً الحاكم العربي
من تقديم تعليم ذو جودة لاترتقي لملامسة الواقع هدفه فقط أن يقيد الطالب لا أكثر. وهذا
هو السبب في جعل العرب مصدري جهل بعد أن أتخموا العالم بالعلوم.حرية التعبير :
لا تستطيع أن تحكم على أي مجتمع عما إذا كان "حر" أو لا إلا من خلال طبيعة حرية
التعبير الممارسة فيه, فكيف ستحكم على الشعوب العربية إذا كانت أساساً لا تملك الحق
فـي التـعبير بحـرية. "حرية التعبير" المنطلق الأساسي لأي مجتمع حُــر يعبر عما يريد
من دون أن يعتليه هاجـس القوانين والأنظـمة التـي تشـرعن "حـرمية" حـرية التـعبير.
حرية التعبير هي نتاج للتعليم و مسبب لنشء المحاسبة في أي مـجتمع, فوجود الـثلاث
العناصر مرتبط ببعضه. لا أعتقد أن حـال حرية التـعبير في العـالم العربي قد يخفى على
أحد فـعدد المعـتقلين السياسين وشـح المـنظمات الحقوقيـة وبل وشـبه إنعـدام النـاشـطون
الحقوقين في العالم العربي لهو مؤشـر على واقـع "حرية التـعبير". حتـى فـي تـشريعات
ودسـاتير الـدول الـعربية الـورقية تحوي الكثير من تضــييق خناق حرية التعبير وتشريع
المـزيد والمزيد من تبـجيل وتأليه الحـاكم. الأكثر طرافة هو أنـه أصبح نقد الذات الإلهية
والدين وشرائعه أهون بكثير من نقد الحاكم بل وسياسة الحاكم أو حتى تصرفات الحاكم
هذا ما أنتج لنا ليبرالين ليــس كغيرهم في الــعالم, إذ هم الأقرب من غيرهم من الحاكم
الطاغية بشكل صارخ منافي لكل مبــادئ الليبرالية, وقد ينتقدون حــتى تركيــبة الحصى
وتاثـيرها علـى حيـاة النـمل, لكنهم يعجزون عـن نقد الطاغية. وكـــأي مجتمع له طرقه
حـاول المجتـمع العربي أن يـحرف مسـار حـرية التعبـير من نقـد ذات الـحاكـم العـربي
إلى نقد زبانية وبطانة وازلامه كون في ذلك نوع من ربح الوقت وشراء "الشرعية".
هذا ما أنتج لنا مجتمع مترهل حقوقياً لا يقول فيه أفراده شيئاً عن نقد الفساد وتبيين
مساوئه في المستقبلالمحاسبة :
الفصل الأخير من فصول الدولة الراشدة, فلسفته قائمة على ثلاث مكونات (فالمحاسِب
والمحاسَب وقضية الفساد) يتوفر في بلداننا العنصر الثالث بشكل جنوني لا يكاد العاقل
تصـديقه كمـا أيظاً لا تسـتطيع أن تـذهب مكان ما أو موؤسسـة ما إلا وتصادف العنصر
الثاني من فلسفة المحاسبة, وتكاد تستـغرب إنـهم أصبـحوا حتـى يجـاهرون بمـنجزاتهم
فـي الفـساد فـهذا قد سرق بـرج وهذا قـد سـرق جســر وهذا قد سـرق قـطاع حـكومي
وهذا مدينة وذلك دولة بأكملها. العنصر الأول في هذه الفلسلفة وهو الأهم "المحاسِب"
نسأل أنفسنا هل هو حقاً كفؤاً لآن يدير هكذا عملية, فكل المُحاسِبون في وطننا العربي
الكبير لا يبعد حالهم كثيراً عن حال العنصرين الآخرين من هذه المعادلة اللامنتيهة الحل
فالملك والرئيس "والعقيد الأخ" والأمير والشيخ متـورطون فعـلاً في قـضايا الفسـاد هنا
وهناك, كيف إذا نرجو خيراً من هذه العملية برمتها؟؟, دائرة الفساد سـتستمر مـا بقي
المحُاسِب الكبير الفاسد قائدها, ودرواننا حول محورنا سيطول كثيراً ما دام محورنا هو
جهلنا وقمعنا وفسادنا.
الأثنين 4 يوليو 2011

الرجوع لـ دعني أقول

0 comments:

إرسال تعليق