مدن الضوء

مدن الضوء

بعد أعوام طوال عشناها في جنون التغييب لازلنا - حتى هذه اللحظة - لا نصدق 
كل تفاصيله بعد تعقلنا. كانت الحرية لدينا محصورة إما بين النوم على الجنب 
الأيمن أو الأيسر, بين الشرب والأمتناع, بين الأكل واللاكل, وبين ممارسة كل 
خياراتنا الحيوانية الأخرى ومن عدمها. نذهب للمدارس ونردد نشيد وطني لم 
نفهمه, ونرفع لوناً لم نحبه, ونقبل صور لشخص لا نعرفه. وندرس تاريخ مزور
ونقرأ القرأن على تفسير شارون, وحديثاً برواية جورج بوش. ورسمنا ناقة, دلة,
صحراء, والكثير من البيوت التي تتشابه. حلمنا بالطيران كسوبرمان فسقطنا
أتى ماركو في "وداعاً ماركو" فحرموه كما حرموا التلفاز والدراجة والموسيقى 
والرسم. فشتمنا ماركو وأغلقنا التلفاز و خبأنا درجاتنا وأشرطة الكاسيت وشطبنا 
رقبة كل إنسان رسمناه.

كانت هذه هي حياتنا وعشناها بالتفصيل و التدوير حتى أتى  18 ديسمبر 2010 
فخرج التونسيون ليفتشوا لنا عن حياة. قلبوا طاولة حديثنا البريء مع الحياة, 
و أخرجونا من نفق آلفناه طويلاً, مسكوا بأيدينا وبأضواء كشافاتهم قادونا خارج 
النفق. فرح نصفنا وبكأ وأندهش بهذا الوضوح وهذه الشمس وهذه الألوان الغير قاتمة
 ونصفنا عاد للنفق خائفاً مرتعداً لا يقدر المشي لأن عينيه لم تعتد هذا الكم من الضوء
ولأنه لم يعتد أن يملك كل خيارات الضوء دفعة واحدة.

نصفنا الأول أمسك بيديه فرشاة ورسم أعلام بألوان يهواها. وآخر كتب نشيد
يقشعر كلما أنشده, وآخرون رفعوا عالياُ أفكاراً يعرفون أسمائها, وآخرون فضلوا
قرأءة القرأن بالعربية لا بالعبرية, وردد البعض حديث قاله النبي العظيم لا بوش,
أكتسى ماركو بأعلام دول الثورة ممسكاً بـ"في ظلال القرأن" و "مقدمة ابن خلدون"
و "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد".

ونصفنا الأخر العائد المنسحب من مدن الضوء, عاد ليردد ذات النشيد اللاقشعريري
وتوشح بألوان تستفزه, وعاد يقبل ويقبل ويقبل صور من لا يعرفهم. وردد بعبرية الروايات
والأسناد والمتون. وعاد لرسم دلته وصحراءه, ونام مرة على جنبه الأيمن وتارة الأيسر 
ليمارس حقه الحر والوحيد وتحّيون بين خياراته من شرب وأكل وتنفس أو موت. 
ذلك لأن في مدن الضوء يختفي فقط كل من أعتاد الظلام.

الجمعة 28 نوفمبر 2014




الرجوع لـ دعني أقول

0 comments:

إرسال تعليق