حكايا الدكاكين


حكايا الدكاكين


دكاكين كثيرة ..
توزعت على طرفي شارع
يفتحون أبوابهم المتأرجحة لكسب رزقهم صباحاً
ولا يقفلون أبداً

,

دُكّان هناك للرخص
دُكّان لـ"الغلاء"
دُكان لكل شيء
.. وآخر لـ "لا شيء"

,

صراخ .. أرض مبللة .. كراسي مهترية
يملأ الشارع زبائن.. ليسوا كأي زبائن
أمام كل دُكّان يخيّم صاحبُه وشاربه الطويل
منذ الصباح تبدأ رحلة البرم حتى غياهب الفجر
وما أن يشعر بالنُعاس .. ينتقل للشق الأخر

,

الغبار .. وتوقف الزمن .. ليسا الوحيدين ما يُدهش
بل تصادق الفئران مع الجرذان
بعد حروب طوال على آبار "الجبن" ..
تصاهروا ..
وأسسوا بيوتهم تحت حائط من كل دُكّان
يسيّرون غزواتهم معاً كُل ليلة
يسطون على الجبن سوية
.. ويتقاسمونه

,

بين تلك الدكاكين تعرج الطبيعة متعكزة ..
وتتبختر الحيرة بممشاها
مدلّية منديلها المعطر .. نحو كل ذي شارب طويل ..
وكما دوماً .. تختار من بضاعته الأكثر تعفناً

,

سوق تلك الدكاكين طوال العام كساد
وربحها عيد من الأعياد
أنتجوا اُحادية ألوان عجيبة ..
فأصفر قاتم .. وأسود برّاق ..
أخضر فاقع .. وأحمر مُزعج
رصّوها فوق بعض للزبائن
وما أن تعلن ساعة "الفتح"
يحتشد المشترون كطوابير "العاطلين"

,

دكّاكين .. حرّمت الشمس دُخولها
وتولى الليل وظلمته شأنها
فنهارها بلا وهج .. بلا ظل.. بلا شمس
وليلها كُله ليل .. صافٍ من القمر
حدائقهم هربت منها الحياة
وأنساقت من جذورها الزروع
وفرت عارية بعد أن ألقت بأوراقها
وتبرأت من سلالة "النبات"

,

دكّاكين يعجز البيان فيها
و تتلعثم فيها الرؤى
تداخل مُدكنوها بحبات الرمل
وتقاطعت مصالحهم ومصالح الطين
بقبق نفط التفاهة منهم
فأصبحوا مركزا "تافهاً" عالمياً

,

تخيل أنك تذهب لتشري شيئاً ..
فتجد أمامك كل ما لا تُريد

,

كنت أظن أن الأسود لوناً واحداً
لكنه متنوع أكثر من اللازم
فأسود أسود .. وآخر أسود وآخر أسود
يختلف الأول عن الثاني في أنه فقط "أسود"
والثالث يشبه الثاني في لونه فقط

,

شدّني إهتزار شباك ذلك الدُكّان
يلعب كطفل في فناء الروضة
يُداعب ريح العصر بكل براءة
لا يدري أنه سيطول إهتزازه كثيراً
.. قبل أن يأتيه النجّار لإصلاحه

,

مطمئن البال .. و واثق "الفراغ"
ذلك الصندوق المرمي بجانب ذلك الدكان
يعي تماماً أنه ليس الوحيد "الفارغ"
لذلك هو فَرِح بوجوده في المكان الأنسب

,

يصيح القلم المُقيد بذلك الدفتر
يمد يديه .. يصرخ بقوة راغباً النجدة
لم ينقذنه أحد من الماره
حاول فك وثاق العبودية من عنقه
لم يستطيع .. الوثاق مُحكم
قفز من طاولة الدُكّان .. فأنتحر
تدلى بجسده .. وتناثر حبره
لكن لسوء حظه .. لم يمت
أنتوله المدكّن .. وأطبق عليه دفتر الزمان

,

على الرف ثمة فأر أديب
له طاوله يضع عليها نظارته
وبعض من مجلدات الكتب
له محاولات شعريه
وعمود يومي في صحيفة "المنفى"
مطارد من قبل حكومة الدكاكين
بتمهة "عدم الإنصياع"

,

حائراً ذلك المصباح ..
متارجحاً لا يعرف الإستقرار
قد ملّ من سقف ذلك الدكان
أيبقى منطفئاً .. بسكينة .. يا تُرى
أم يضيء.. فبالظلالة يُتهم
فهو من ذلك الحين متردد النور
ومتلعثم القرار
إلى أن يشاء الله وينكسر بلوره المُدهِش

,

بجانب صنم المُدكّن الكبير - في وسط السوق -
ثمة عقلاً مُحنّطاً
لم أستطيع تميزه أهو حقيقي
أم من صنع الخيال ..

,

طويلة هي طوابير بائعي الخبز والتبغ والفتوى
وقصيرة جداً طوابير بائع الكتب
وأكثر منها كلها .. طوابير حرس قائم مقام
بينما مُروج بضائع "اليسار" لازال مصلوباً عند مدخل السوق

,

"الحلاق" هو الطبيب والخياط و وزير الإعلام
ورئيس تحرير الصُحف و ديوان المظالم
والكتاتيب .. ومؤلف المناهج
ونائب الوالي .. و مستشار قائم المقام
ذلك لإجادته إستخدام "المقص" في أكثر من جبهه
وهو أيظاً رئيس المخابرات
والشؤون الإجتماعية
و وزير الزراعة
والأوقاف

,

تفنن الحداد في صُنع قضبان السجُون
ومشانق الإعدام .. والمِقصلات المُعجزة
وحوافر خيول قائم المقام
وبوابات حدائقه
ودروع حرسه
و أعتى أنواع الأقفال والسلاسل
لكن على الرغم من كل هذا التاريخ الحديدي الهُمام
فهو - وللأسف - لا يجيد صناعة سيف واحد للجهاد

,

تفرغ النجّار لتماثيل حدائق قائم المقام
وباب المدينة الكبير آيلٌ للسقوط

,

يأتي المُفتش كل صباح
ويأمر الباعه بسكب الحبر أرضاً
ذلك بعد فتوى "الحبر يُذهب العقل"
فتغرق المدينة بالحبر كرواية عربية مليئة بالجنس

,

لكل مدينة حقرائها ..
وحقارء هذه المدينة مُفكريها ..
يمشون منحيي الرؤوس لأقترافهم خطيئة التفكير
وينعتوهم الناس بأبشع الشتمائم
لكن أبشع ما سمعت منهم هو "لا يدخل الجنة مُفكر"

,

في زاوية بالقرب من نافورة الصدأ
التراب مختلياً بالمِكنسة ..
يملئه الشعور بالحب .. والكذب
يدّعي بأنه طوال ليال الأمس لم ينّم
و كم تنمى بأن يتخلل شعيراتها
وأن يداعب حشرفة عودها
وأنه هو من ألف ديوان "إلى مكنسة متغطرسة"
يُريها ما كتبه بالأمس .. من نثره ركيك
وشعره الرخيص
لكن المكنسة أجابت بعِشقها لتراب منزل والي المدينة المُترف
لا تهتم بالمشاعر .. تريد أكثر من شعور بالحب ..
تريد أن تكنِس ذهباً ..
قفز التراب المصدوم العاشق في البحيرة ..
فمات وحلاً "مُتعجِن" الشعور ..

,

لازل مَدخل بيت مفتي المدينة "الجليل" يُدهشني
ولازال مَدخل بيت التاجر المُترف يغار منه ..
ولا زال بيت بائع الكُتب من غير مَدخل ..

,

كم هو مكتئب كرسي الوالي .. و حائر الفكر
يُداعب القاع بأطرافه المثرمة في أوقات فراغه
وفي شُغله .. يحاول أن ينسى الوزن الذي يطاءه ..
منذ العصر القديم .. منذ أن أخترعوا الجلوس
خطط كثيراً للهرب مع طاولة الجيران ..
للعيش في جغرافيا ما تكره "ثقافة الجلوس"
لكنه على الرغم من أرجله الكثيرة فهو لا يجيد المشِي
معاق كـ"مواطنو" تلك المدينة هو
الفرق فقط في مكان الإعِاقة

,

كم هي مزدهرة تِجارة البلاط هُناك
تنكروا الناس للتراب كثيراً ..
حتى تظن أنهم خُلقوا من "مناشف"

,

ذلك القط مُتعجرف ..
يؤمن بأن الحياة أكثر من محطة إنتظار
فالطوابير على القمائم لا تنقطع
لذلك يحمل كرباجاً في يده

,

الإعلان عن صفقة كبيرة وُقعت بين الكتاتيب والجهل
تقدر قيمتها بألوف آلاف الدارهم .. تهدُف لرفع كفاءة التعليم

,

ملّ من حمل الأسلاك الشعبية
يحلم دوماً في مستقبل مشرق .. دوماً "مُنير" ..
يحلم برفع أسلاك قائم المقام الكهربائية
الله كم هو ساذج ذلك العمود "الشعبي" !

,

لازال إسم "عبدالوالي الصامت"
يتصدر قائمة أسماء المواليد لهذا اليوم
هذه الإحصائية بحسب وزارة الشوؤن للثروة الحيوانية

,

أخبار المساء :
- إستقبل قائم المقام وزير خارجية السوق الكبير
- ذهب قائم المقام لقصره
- إنتقل قائم المقام من غرفة لأخرى
- جلس قائم المقام بعد أن كان مضطجعاً
- لبس قائم المقام ملابس النوم إستعداداً للنوم
- نام قائم المقام
- قائم المقام يحلم بشعبه
- أبتسم قائم المقام أثناء حُلمه
- أستقيظ قائم المقام
- فرّش قائم المقام أسنانه
- بدأ قائم المقام قبل قليل وجبه إفطاره
- إنتهى قائم المقام من إفطاره
- ذهب قائم لمركز الحفل
- إفتتح قائم المقام مركز الأمل لمتعاطي التفكير ومدمني الحبر

,

"لازلت أرتكب ذلك الشيء المسمى تفكير"
ردد الفأر الأديب بصوتٍ "منخفض"

,

أتسال .. أي قيام فيما يفعله "قائم المقام"
وكل فعله - مذ أن خلقه الله - "جُلوس" !

,

"الزجاج في مراحله الأولى... كان يُمزق باليد
يا ترى ما الذي جعل عظمه يشتد علينا حينما كَبُر
هل يعرف أحداً في قصر الوالي .. "
.. يتسأل الزَجَّاج .. !!؟؟

,

لا يتطلب الأمر كثيراً لآن تصبح مُدكناً رابحاً..
سوى "سجدة شكر" لوالي المدينة ..
.. وقد تدخل الجنة .. !!

,

إرتفاع مفاجئ في أسعار الفتوى ..

,

"الورد لا ينبُت اليوم .. لماذا يا ترى ؟
ألم أخذ الأذن من قائم المقام ؟! .. ربما "
يردد بائع الورد حائراً ..

,

دُخول الحُب والتفكير لقائمة الممنوعات
التي تضم الدَين و الأحلام وتعاطي الكلام .. والحبر بالطبع
مذللة تلك القائمة بتوقيع قائم المقام الطويل

,

وفاة الإبن الأكبر للجهل عن عمر يناهز التسعين ..
لازل الجهل يرثي أبناءه واحداً تلو الأخر..

,

أبتهج الطريق بوطء قائم المقام له
على الرغم من تهشم أضلاعه ..
يتغطرس ذلك بوطئه للإشياء ..
وذاك آخر يبتهج بأن يُطاء..
لله في "طرقه" شؤون .. !!!

,

إذا ما مر دولاب عجلة الوالي من تلك الغابة
ليدُس وجههُ إستحياءً من عشيرته "أشجار الصنوبر"
تفطرت قلوب أمهات تلك الأشجار ..
إذ هي تربي الخشب ليكونوا دواليباً لعربات الوُلاة

,

"بائعات الأوكسجين" يحظين بدعم من قبل قائم المقام
لذلك بقيت أسعارهن منخفضة طوال هذا الشهر
كذلك الربى .. والجباية

,

"الحمد لله نحن بخير وبأتم نعمة " أجاب شيخ السوق
بعد أن سُأل عن مدى فعالية تطبيق الشريعة في أنحاء الدكاكين
ذلك على خلفية مشاركته في حفل تدشين ركن سادس من أركان الإسلام ..

,

أعاصير هوجاء و "سيول" تهدد أرجاء السوق
بينما المدكنون ينتظرون إجراء رسمي "سوقي"
أكتفى الوالى بتوزيع البسمات أمام الشاشات
وصرح بقول "إننا غير قابلون للتهديد من قبل (كأئن من كان) .."
إطمئن المدكنون قليلاً .. وتنفسوا الصعداء
.. ثم جرهم السيل ..

,

دخول الفأر الأديب لقائمة المطلوبين للعدالة
لإفراطه تعاطي الحبر ..
نسأل الله السلامة

,

ما أن ينتهي الوالي من لياليه الحمراء
ليذهب ليؤم المدكنين لصلاة الجُمعة ..
الله غفور رحيم ..

,

إنفجار "حرفي" بجانب قصر قائم المقام
وأنباء عن تورط الفأر الأديب ..
وقد تم إعتقال عدد كبير من الفئران للتحقيق

,

الجرائد بقت خالية الوفاض .. فالحبر حرام
و لا زلت تلقى رواجاً على كل

,

إفتتاح مدرسة تعلم فن محاكاة الولاة بالمعجنات
ذلك إستجابة لشكوى بائع المعجنات ...
من عدم إجادة فن "التشكيل الولاتي المعجناتي"


,

"لا طعم للحياة.. أضف لها قليلٌ من الملح "
يقول الوالي أمراً طباخه ..

,

تعاقبت السنين ومات كل المدكنون ..
ولا زال قائم المقام "جالساً"..




الخميس 13 يناير 2011



الرجوع لـ ثورة مفرداتي

4 comments:

الساحرة الصغيرة ..~ الخميس, يناير 27, 2011 12:27:00 ص  

دكـإكين منهإأ مآ هو رآئع ..
ومنهـإأ مآ هو محزنُ حآلهـإأ ..

،،

مبدعة ،، تبآإأرك الرحمن ..
كوني دومـإأ إنتي وقلمك متألقآن ..
فهنـإأك دآئما من يرقبكـم من بعيد و بصـمت ..

،،

^ــــــ* ..

Yasser الخميس, يناير 27, 2011 1:11:00 ص  

يسرني أن بضائع بعض الدكاكين راقت لكِ .. ^_^

أشكرك جداً ..
أشرف بكِ بكل من يرقبني ومن بعيد بالأخص ..
أتمنى فقط ألا يكون من بينهم أصحاب "الشمع الأحمر" ^_^

شكراً لك بعنف

حمَوديَ الجمعة, فبراير 18, 2011 2:11:00 ص  

،،
طويلة هي طوابير بائعي الخبز والتبغ والفتوى
وقصيرة جداً طوابير بائع الكتب
وأكثر منها كلها .. طوابير حرس قائم مقام
بينما مُروج بضائع "اليسار" لازال مصلوباً عند مدخل السوق
،،

دكاكيَن ، وآقع حياتناَ
كنت هنا .. وتهَت ب قَلمك الأبيض
كَوني : دائماً مميَزه ..

Yasser الجمعة, فبراير 18, 2011 4:33:00 م  

شكراً لك .. سرني وجودك
أنا أخ عزيز ولست أخت ^__^
شكراً

إرسال تعليق